أحمد بن محمد القسطلاني

201

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

ونقل الزجاج فيها وجهين الصرف وعدمه إلا أنه قال : لا يكون إلا مكسورًا وإن سقط التنوين . ( وتفيض الحمس من جمع ) بفتح الجيم وسكون الميم أي من المزدلفة وسميت به لأن آدم اجتمع فيها مع حوّاء ، وازدلف إليها أي دنا منها ، أو لأنه يجمع فيها بين الصلاتين وأهلها يزدلفون أي يتقربون إلى الله تعالى بالوقوف فيها . ( قال : ) هشام ( وأخبرني ) بالإفراد ( أبي ) عروة بن الزبير ( عن عائشة - رضي الله عنها - أن هذه الآية نزلت في الحمس { ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ } [ البقرة : 199 ] إبراهيم الخليل عليه أفضل الصلاة والسلام رواه الترمذي وقال : حسن ؟ صحيح من حديث يزيد بن شيبان قال : أتانا ابن مربع بكسر الميم وسكون الراء وفتح الموحدة زيد الأنصاري ونحن وقوف بالموقف فقال : إني رسول رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إليكم يقول : كونوا على مشاعركم فإنكم على إرث من إرث إبراهيم عليه الصلاة والسلام ، وقرئ الناس بالكسر أي الناسي يريد آدم من قوله تعالى : { فنسي } أو المراد سائر الناس غير الحمس . قال ابن التين : وهو الصحيح والمعنى : أفيضوا من عرفة لا من المزدلفة ، والخطاب مع قريش كانوا يقفون بجمع وسائر الناس بعرفة ويرون ذلك ترفعًا عليهم كما مرّ فأمروا بأن يساووهم . فإن قلت : ما وجه إدخال ثم هنا حيث كانت الإفاضة المذكورة بعدها هي بعينها الإفاضة المذكورة قبلها فما معنى عطف الأمر بها بكلمة ثم الدالة على التراخي على الأمر بالذكر المتأخر عنها ، وكيف موقع ثم من كلام البلغاء ؟ فقال البيضاوي كالزمخشري : وثم لتفاوت ما بين الإفاضتين كما في قولك : أحسن إلى الناس ثم لا تحسن إلى غير كريم ، وزاد الزمخشري : تأتي بثم لتفاوت ما بين الإحسان إلى الكريم والإحسان إلى غيره وبعد ما بينهما ، فكذلك حين أمرهم بالذكر عند الإفاضة من عرفات قال : ثم أفيضوا التفاوت ما بين الإفاضتين وأن إحداهما صواب والأخرى خطأ اه - . وتعقبه أبو حيان فقال : ليست الآية كالمثال الذي مثله ، وحاصل ما ذكر أن ثم تسلب الترتيب وأن لها معنى غيره سماه بالتفاوت والبعد لما بعدها مما قبلها ولم يجر في الآية أيضًا ذكر الإفاضة الخطأ فتكون ثم في قوله : { ثم أفيضوا } جاءت لبعد ما بين الإفاضتين وتفاوتهما ولا نعلم أحدًا سبقه إلى إثبات هذا المعنى لثم اه - . وقيل { ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ } وهم الحمس أي المزدلفة إلى منى بعد الإفاضة من عرفات اه - . فيكون المراد بالناس هنا المعهودين وهم الحمس ويكون هذا الأمر أمرًا بالإضافة من المزدلفة إلى منى بعد الإفاضة من عرفات . ( قال : ) عروة ولابن عساكر : قالت أي عائشة ( كانوا ) أي الحمس ( يفيضون من جمع ) من المزدلفة ( فدفعوا ) بضم الدال المهملة مبنيًّا للمفعول أي أمروا بالذهاب ( إلى عرفات ) حيث قيل لهم أفيضوا ، وللكشميهني : فرفعوا بالراء بدل الدال ، ولمسلم : رجعوا إلى عرفات يعني أمروا أن يتوجهوا إلى عرفات ليقفوا بها ثم يفيضوا منها . 92 - باب السَّيْرِ إِذَا دَفَعَ مِنْ عَرَفَةَ ( باب السير إذا دفع من عرفة ) . 1666 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ " سُئِلَ أُسَامَةُ وَأَنَا جَالِسٌ : كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسِيرُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ حِينَ دَفَعَ ؟ قَالَ : كَانَ يَسِيرُ الْعَنَقَ ، فَإِذَا وَجَدَ فَجْوَةً نَصَّ " . قَالَ هِشَامٌ : وَالنَّصُّ فَوْقَ الْعَنَقِ . قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ : فَجْوَةٌ : مُتَّسَعٌ ، وَالْجَمِيعُ فَجَوَاتٌ وَفِجَاءٌ ، وَكَذَلِكَ رَكْوَةٌ وَرِكَاءٌ . مَنَاصٌ لَيْسَ حِينَ فِرَارٍ . [ الحديث 1666 - طرفاه في : 2999 ، 4413 ] . وبالسند قال : " حدّثنا عبد الله بن يوسف ) التنيسي قال : ( أخبرنا مالك ) هو ابن أنس الأصبحي الإمام ( عن هشام بن عروة ) بن الزبير ( عن أبيه أنّه قال : سئل أسامة ) بن زيد بن حارثة حب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( وأنا جالس ) أي معه والواو للحال ( كيف كان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يسير في حجة الوداع حين دفع ) ؟ أي انصرف من عرفات إلى المزدلفة وسمي دفعًا لازدحامهم إذا انصرفوا فيدفع بعضهم بعضًا ( قال ) أسامة . ( كان ) عليه الصلاة والسلام ، ولأبي الوقت : فكان ( يسير العنق ) ، بفتح العين والنون منصوب على المصدر انتصاب القهقرى في قولهم رجع القهقرى ، أو التقدير يسير السير العنق وهو السير بين الإبطاء والإسراع ( فإذا وجد ) عليه السلام ( فجوة ) بفتح الفاء وسكون الجيم أي متسعًا ( نص ) بفتح النون والصاد المهملة المشددة أي سار سيرًا شديدًا يبلغ به الغاية . ( قال هشام ) : هو ابن عروة ( والنص فوق العنق ) أي أرفع منه في السرعة ( فجوة ) وللمستملي قال أبو عبد الله : أي البخاري فجوة ( متسع ) ،